١٥ عاماً من التخفي والعبور.


%d8%b2%d9%86%d8%ac


قبل ١٥ عاماً:

اسمها فاطمة، حركية نشيطة، ومرحة تركض دائمًا. مصدر لكثير من المشاكل والمرح. كنتُ دائمًا من بعيد جدًا أراقبها، تلك كانت المرحلة الأولى من حياتنا. عرفتها في ساحة مدرسة التمهيدي وكانت مشعة لا تنطفى، مصدر حقيقي للسعادة.

قبل ١١ عاماً:

أصبحت صدقيتي ومن المقربين إلى الروح والقلب. كنا نركض في ساحة الابتدائي ونلعب بقلوب صافية لا تعرف سوى أمجاد وفاطمة.

قبل ٨ أعوام:

اسم والدها “علي” ووالدتها “زهراء” واسمها “فاطمة” كانت مصدراً للشبهة لشراكنا وحقدنا على متبعي المذهب الشيعي.

كانت تنكر بشكل مستمر وتضحك “وتسمي على نفسها” وتتهمنا بالجنون!

محاطة بصديقات تحبهم لكنهم مصابات بداء الحقد والكره الغير مبرر في نظرها.

تنكر ومستجيبة لكل كرهنا، بدون دفاع وباستسلام توافقنا لكنها كانت تذبل وتخفت.

قبل عام:

أخبرتنا بأنها كانت تخفي حقيقة اعتقادها! خوفاً من خسارة قلوب تحب فاطمة لكونها فاطمة فقط. قالت: “فكرة معرفتكم كانت هاجساً يلاحقني طوال ١٥ عاماً وأنا أعذركم رغم كل ما وجدته من ألم، لكن أحبكم ولا أزال أحبكم حتى بعد إنكار ١٥ عاماً”

١٥ عاماً من التخفي والعبور. ١٥ عاماً من المعاناة اليومية واقتلاع للذات وصراع للبقاء في العراء.

 

رواية زنج تتحدث عن مفهوم “العبور” أو “passing”

وهو -كما عرفته الكاتبة- “ادّعاء فرد منتسب لجماعة معينة إلى جماعة أوفر حظًا حتى يحصل على امتيازاتهم”

وكانت تحديدًا تحكي عن عبور الملونين البيض ووضع ستار على أصولهم الأفريقية.

الشخصية (آيرين) تعتز دائمًا بأصولها الافريقية، بينما في المقابل صديقتها الملونة (كلير) تظللت من كل ما يربطها بأصولها الأفريقية منذ ١٢ عاماً. هربت منهم لتتزوج من رجل أبيض يمقت السود لتحصل على امتيازات أصحاب البشرة البيضاء والطبقة المخملية.

كان يتحدث زوج كلير (جاك بيلو) عن استعلائه بشكل علني ومقته للبشرة الداكنة “لا زنوج في عائلتي، لم يحدث ولن يحدث أبدًا…”، ومخاطبة زوجته واصفًا ايها ممازحةً بزُنْج بدون معرفة أصولها، لأنه كما قال “عندما تزوجنا كانت بيضاء مثل زنبقة. لكن يظهر لي أنها آخذة في الدكنة تدرجيًا. أخبرتها إنها إن لم تنتبه لنفسها سوف تصحو يومًا وتجد نفسها قد تحولت إلى زنجية” وبعدها ضحك وكلير كانت تضحك!

كان هذا المقطع تحديدًا عند زيارة صديقات كلير الملونات، وكان هذا الموقف أمامهم وعم غضب وإزدراء، ولكنهم عابرون.

العبور قد يكون بأشكال مختلفة وكثيرة منها: لون البشرة، والعرق والدين و المذهب، والطبقة الإجتماعية.

وأعتقد أسوأ انواع العبور هي التي تكون على المستوى الإجتماعي. وذلك بإنكار حقيقة ذاتك، أصلك، إيمانك واعتقادك للحصول على امتياز بسيط وهو التقبل الإجتماعي.

 

هذا ما يحدث مع متبعي المذهب الشيعي في السعودية الذين يشكلون ١٥٪‏ من سكان في السعودية.

الثورة الإيرانية (ثورة الخميني) عام ١٩٧٩م شكلت فارقًا في العلاقة بين متبعي المذهب الشيعي والسلطة السعودية؛ بسبب مسيرات احتجاجية ضد سياسة التمييز والتفرقة الطائفية، ومعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية. تحولت إلى صدامات عنيفة مع قوات الأمن ووصل بهم الأمر إلى إطلاق النار على المتظاهرين وقتل العشرات وبعدها جرى اعتقال المئات منهم.

وحقيقةً أكره إدعاء الكثيرين بأن هدفهم هز أمن البلد. باستثناء التحرك السياسي الوحيد الذي حدث عام ١٩٧٩م عندما ثار فيه الشيعة بسبب التمييز الحاصل تجاههم في السعودية، وفي جميع تحركات الشيعة السياسية والمطلبية؛ لم يكن فيها أي توجهات طائفية وتقسيمية بل كان مطلبهم عامًا لجميع المواطنين في السعودية وذلك من منطلقات يسارية، قومية ووطنية.

 

هم دائمًا على هامش الحياة السياسية والإجتماعية. ويوجد تمييز متواصل ضد الشيعة، مثل الممارسات الدينية، التربوية، وأيضًا يتم إقصاء الشيعة من الوظائف العامة ومسائل التخطيط.

القطيف إحدى المدن المكتظة بسكان من المذهب الشيعي، والتي يتجاوز عدد سكانها نصف مليون نسمة لا تحتوي إلا على مستشفى واحد بني قبل ٣٠ عاماً. وتفتقر إلى الكثير من البنية التحتية لمدينة يعيش فيها اكثر من نصف مليون نسمة. بالنسبة للجانب التعليمي فهم يعانون ويرغمون على دراسة مناهج تحرض ضد الشيعة وتهاجمهم، وممنوعين من العمل كمدرسين للمواد الدينية والتاريخية والأعجب أنهم يحرمون من تولي مهام ثانوية جدًا، مثل إدارة مدرسة أو مستشفى أو محكمة.

أيضًا في الجانب القضائي لا يستطيعون العمل في المحاكم كقضاة، بل أحيانًا لا يؤخذ بشهادتهم لزعم بعض القضاة بعدم أهليتهم!

يستطيعون في القطيف والأحساء بناء وترميم مساجد وحسينيات لكن بتضييق وقيود، بينما بقية المنطاق التي يوجد بها سكان شيعة مثل نجران والمدينة وحائل فهم مهمشين تمامًا. فالحظر لا يزال مستمراً وقائماً، فهم غير قادرين على ممارسة حياتهم الدينية علانية ويتعرضون لأقسى أنواع التهميش والإقصاء.

وأخيرًا في أبسط حق إجتماعي لهم وهو الشعور بالأمان، فكيف لهم أن يشعروا بالأمان وهم يتعرضون لأبغض وأقسى أنواع الإقصاء والتحريض العلني في المنابر والمساجد؟ بل وفي الحرم المكي والمدني، إعلان صريح بالكفر والقتل وأنهم ألد الأعداء!

كيف لهم أن يشعروا بالأمان وهم بين أصدقائهم وزملاء العمل ممقوتين، وكيف يشعرون بالأمان وهم يُرفضون كمتقدمين للزواج ويُرفضن كزوجات؟

ونتسأل لماذا توجد التقية؟! لماذا يعبرون؟! لماذا يتخفون ويغيرون أسماء عوائلهم؟!

لماذا تعد التقية أصلًا من أصول الدين لدى الشيعة والصوفية والإسماعيلية؟ لماذا قال الكليني: (التقية من ديني ودين آبائي ولا إيمان لمن لا تقية له) وما هي الأسباب التي جعلتهم يستخدمون التقية والعبور منهجًا لهم؟

أتصور من منظور شخصي أن لمفهوم التقية جذوراً تاريخية وأبعاداً نفسية وفلسفية، ولم تأتي عبثًا وليست ركناً من الأصول التي تقوم عليها مذاهبم من فراغ ومن دون اضطهاد دام منذ القدم.

 

وعودةً إلى رواية زنج، كتب في آخرها: “بكل ضعف وعجز بكت آيرين وتمنت أنها لم تولد سوداء،  بكت بصمت، كان يكفي أن تعاني كامرأة كفرد، على حسابها الخاص، من دون أن تضطر إن تعاني من أجل العرق أيضًا. معاناة وحشية، وغير مستحقة بكل تأكيد، لم يلعن أناس آخرون مثلما لعن أبناء حام الملونون.”

وكانت صديقتي فاطمة تعلم أنه لم يُلعن أحد من بين جميع صديقاتها وزميلاتها مثلما لُعنت هي الشيعية!

 

وأنا أكتب هذه التدوينة المتواضعة تذكرت قصيدة دلال البارود “كف الدهر” تتحدث عن قصة حبيبين شيعي وسنية.

كان فراقهما قدرًا وكان سوسنهُما في كف الدهر مخنوقا.

 

“كأن الله لم يعبد بغير السين و الشين

كلا الطرفين في عاج و يرمي الكفر بالدينِ

لينحت كره قابيل بمطرقة وسكين

مذاهبنا رمت بالجبّ مولودًا بقلبين

لتأتي بئره ليلا وتغرس فيه سيفين

تقد الحق من دبرٍ و تنحر دمعة العين

و نحن بكربلائهما شهيدا لحظة البين

منامي جاء يخبرني كلانا منته بمضيق

كلانا مقتف وهمًا … كلانا ينثني لطريق”

لسماع القصيدة كاملة:

https://www.youtube.com/watch?v=aWxg-GJOjoA